أحمد بن محمد ابن عربشاه

445

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

حندسها « 1 » الفطن الأريب ، وقد بادت الفكر وعجزت القوى والقدر ، وحارت عقول البشر ، دون إدراك ما يبرزه كل وقت من الصور ، من وراء ستر الغيب مستعدا للقضاء والقدر ، ولم يعهد من الدهر الخؤن والزمان المجون ، إذا استقام أو قزل « 2 » ، أو جد أو هزل ، أو أمر بنازل فنزل ، أو ولى أو عزل ، أو أقبل أو اعتزل ، أو نقض أو غزل ، أن يرسل قبل ذلك منذرا أو مبصرا أو محذرا ، ليستيقظ النائم أو ينهض الجاثم ، أو يتحرك القائم ؛ وإنما يحطم بغتة ويهجم في سكتة ، ويأخذ على بهتة فلا يفلت منه فلتة ، ولا يمهل إلى لحظة ولا لفتة وقد قيل : يا راقد اللّيل مسرورا بأوّله * إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا لا تركننّ لليل طاب أوّله * فربّ آخر ليل أوقد النّارا وعلى هذا لو وقع منا غفلة أو ذهول ، عند قدوم هذا الجيش المهول ، فاختر والعياذ بالله واحد منا ، ونحن أحسن ما نكون سكونا وأمنا ، فكيف ترين يبقى حال الآخر وهل يصير إلا كما قال الشاعر : ما حال من كان له واحد * يؤخذ منه ذلك الواحد وإذا بقي أحدنا منفردا وانعزل متوحدا ، ما ذا يفيده الوطن والجيران والسكن ، وهل تفي لذة وصال ألفي سنة بألم فراق تلك الساعة الخشنة كما قيل : إن كان فراقنا على التّحقيق * فذى كبدي أحقّ بالتمزيق لو دام لنا الوصال ألفي سنة * ما كان يفي بساعة التفريق وقال أيضا : لا كان في الدهر لا أراك به * ولا بدت فيه شمس ولا قمر

--> ( 1 ) الحندس : الليل الشديد الظلمة . ( 2 ) القزل : العرج .